أبي منصور الماتريدي

291

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وهذه الآية جمع جميع شرائط الإيمان ؛ لذلك قلنا : إن الإيمان بالقرآن إيمان بجميع الكتب والأنبياء والبعث وغيره . وبالله العصمة والنجاة . وقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اختلف فيه : قال الحسن : قوله تعالى : إِلَّا وُسْعَها ، إلا ما يحل ويسع ، لكن بعض الناس يقولون : هذا بعيد ، لا يحتمل الآية ، إذا كلف حل ووسع . فإذا كان كذلك لم يكن لقوله معنى . قيل له : هو كقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ، * إذا أحل طيّب وإذا طيب أحل . فكذا الأول . وكذا ذكرنا « 1 » الأمرين جميعا . وتأويل ثان إِلَّا وُسْعَها : إلا طاقتها وكذلك قول المعتزلة : [ غير أنا اختلفنا في تقدم استطاعة الأفعال فمنعنا نحن تقدمها وقلنا لا تكون إلا مع الفعل ، وقالت المعتزلة ] « 2 » بتقدم الفعل ، وأما عندنا : فإنها على وجهين : استطاعة الأحوال والأسباب ، واستطاعة الأفعال . أما استطاعة الأحوال والأسباب : فإنها يتقدمها ، وعلى ذلك يقع الخطاب ، دليله : قوله عزّ وجل : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران : 97 ] . قيل : يا رسول اللّه ما الاستطاعة ؟ قال : « الزاد والراحلة » . ثم كل يجمع أن من كان بأقصى بلاد المسلمين قد يلزمه فرض الحج ، على علم كل منهم أن تلك الاستطاعة لو صرفت إلى استطاعة الأفعال لم يبق إلى وقت وجود الأفعال ، ثم قد لزمه ذلك ؛ فبان أن الكلفة إنما تقع على استطاعة الأحوال والأسباب ، وكذلك الكلفة في جميع الطاعات . فإن قيل : قد يقع هذا على الخروج ، فيوجد الفعل عقيب قوة الخروج ، قيل : لو كان كذا لكان لا يلزم فرض الحج إلا بالخروج ، وله ترك الخروج ، إذ باكتساب الخروج يلزمه فرض الحج ، فلا يلزم عليه فرض الحج ؛ فثبت أنه لا يحتمله ، بل هو على ما قاله أصحابنا - رحمهم اللّه - : إنها استطاعة الأحوال [ والأسباب ] « 3 » ، وتلك تتقدم ، لما ذكرنا . واللّه أعلم . وأما استطاعة الأفعال : فإنها تحدث بحدوث الأفعال وتتلو كالأوقات التي لا تبقى في

--> ( 1 ) في أ ، ب : وقد ذكر . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ ، ط . ( 3 ) سقط في ب .